الاستفادة من نتاج البحث العلمي في بناء نظريات التأثير
2019
ما هي الطريقة الصحيحة لتحقيق التغيير الاجتماعي؟ هذا السؤال البسيط لكنه عميق هو الذي دفع المنظمات الاجتماعية إلى البحث عن أداة موثوقة للتخطيط الاستراتيجي. هذه الأداة هي "نظرية التغيير" (Theory of Change) — وهي أداة تخطيط استراتيجي تساعد المنظمات على رسم مسار منطقي ومدعوم بالأدلة يربط بين الأثر بعيد المدى والتدخلات المباشرة التي تقوم بها المنظمة.
مقدمة: لماذا نحتاج إلى نظرية تغيير؟
المنظمات الاجتماعية غالباً ما تبدأ برسالة ورؤية واضحة: "نريد أن نقضي على الفقر" أو "نريد أن نحسّن التعليم". لكن السؤال الأهم هو: كيف سنصل إلى هذه الرؤية؟ ما هي الخطوات اللازمة؟ وما هي النتائج المتوقعة في كل مرحلة؟ وما هي الفرضيات المبنية عليها هذه الخطوات؟
هذا هو بالضبط ما تسعى نظرية التغيير إلى الإجابة عليه.
ما هي نظرية التغيير؟
نظرية التغيير هي أداة تخطيط استراتيجي تساعد المنظمات التي تهدف للتأثير في المجتمع من رسم مسار منطقي ومدعوم بالأدلة يربط بين الأثر بعيد المدى والتدخلات المباشرة.
في أبسط صورها، تعتمد نظرية التغيير على سلسلة من الافتراضات المنطقية البسيطة: إذا قمنا بهذا النشاط، سيحدث هذا المخرج. وإذا حدث هذا المخرج، سلاحقاً سيترتب عليه هذه النتيجة. وعندما تتراكم هذه النتائج، سنصل إلى الأثر المرجو.
لكن الصورة الأكثر قوة من نظرية التغيير هي تلك المبنية على الأدلة العلمية. بدلاً من الاعتماد على الحدس أو الانطباعات الشخصية، نبني نظرية التغيير على بحوث علمية موثوقة تبين لنا أي العوامل بالفعل تؤثر على المشكلة التي نحاول حلها.
مراحل بناء نظرية التغيير المبنية على الأدلة
المرحلة الأولى: تحديد المشكلة وفهم أسبابها
قبل أن نبني نظرية تغيير، يجب أن نفهم المشكلة بعمق. ليس كافياً أن نقول "هناك بطالة بين الشباب"، بل يجب أن نسأل: لماذا هنالك بطالة؟ هل هي بسبب نقص المهارات؟ أم بسبب نقص فرص العمل؟ أم بسبب عدم مطابقة المهارات مع الوظائف المتاحة؟
هنا نلجأ إلى البحوث العلمية لنفهم الأسباب الحقيقية للمشكلة.
المرحلة الثانية: تحديد النتائج المتوقعة
بعد فهم المشكلة، نحدد ما نريد أن يحدث بمرور الوقت. ما هي النتائج القريبة الأمد؟ وما هي النتائج المتوسطة الأمد؟ وما هي النتائج بعيدة الأمد؟
المرحلة الثالثة: تحديد المخرجات والأنشطة
بعد معرفة النتائج المطلوبة، نسأل: ما هي الأنشطة المباشرة التي سنقوم بها لتحقيق هذه النتائج؟ ما هي المخرجات المباشرة لهذه الأنشطة؟
المرحلة الرابعة: تحديد الفرضيات المبنية على الأدلة
هنا يأتي الجزء الأكثر أهمية: لماذا نعتقد أن هذه الأنشطة سؤدي إلى هذه النتائج؟ ما هي البراهين العلمية التي تدعم هذه الفرضيات؟
هذه المرحلة تتطلب بحثاً عميقاً في الدراسات العلمية لإيجاد أدلة موثوقة تدعم هذه العلاقات.
مثال عملي: زيادة قدرة الشابات على الابتكار
تهدف إحدى المنظمات الناشئة إلى زيادة قدرة الشابات على الابتكار من خلال التركيز على عوامل شخصية محددة. لكن بدلاً من البدء ببرنامج عشوائي، بحثت المنظمة عن العوامل الشخصية التي أثبتت الدراسات العلمية تأثيرها على الابتكار.
باستخدام مكتبات علمية مثل ProQuest و ScienceDirect و JSTOR، وجدت المنظمة عشر جدارات شخصية مهمة بين مهارات ظاهرة (مثل الريادة والفضول) وتوجهات باطنة (مثل الرغبة في الاستكشاف والمرونة). بناءاً على هذه البراهين العلمية، بنت المنظمة برنامجها بطريقة موثوقة.
فوائد بناء نظرية تغيير مبنية على الأدلة
1. زيادة الفعالية — عندما تبني البرامج على أدلة علمية، زيادة احتمالية نجاحها وتحقيقها للنتائج المطلوبة.
2. تقليل المخاطر — بدلاً من الاعتماد على الحدس أو الانطباعات، نعرف بالضبط ما الذي يعمل.
3. المساءلة والشفافية — عندما تبني البرنامج على أدلة موثقة، يصبح من السهل المساءلة عن النتائج.
خلاصة: العلم كأساس للعمل الاجتماعي
نظرية التغيير المبنية على الأدلة ليست مجرد أداة تخطيط، بل هي رسالة قوية: أن العمل الاجتماعي الفعال يبني على العلم والبراهين، لا على الأماني والتمنيات.