القياس

حساب العائد على الاستثمار المؤثر بناءاً على فرضيات موثوقة

2019

شارك:

شهد العقد الماضي اهتماماً متزايداً بمفهوم قياس الأثر المجتمعي للبرامج والمبادرات والمنظمات والسياسات. لكن هذا الاهتمام لم يكن مجرد فضول أكاديمي — بل كان استجابة لسؤال عملي ملح: كيف يمكننا أن نثبت أن البرنامج الذي استثمرنا فيه حقاً يستحق هذا الاستثمار؟ وكيف يمكننا مقارنة تأثير برنامجين مختلفين بطريقة عادلة وموضوعية؟

مقدمة: لماذا نحتاج إلى قياس العائد على الاستثمار المؤثر؟

تخيل أن مؤسسة خيرية تملك ميزانية محدودة وتواجه خياراً بين برنامجين: - البرنامج الأول: برنامج تدريب مهني يكلف 100 ألف ريال ويتوقع أن يرفع دخل 50 شاباً بمعدل 2000 ريال شهرياً. - البرنامج الثاني: برنامج توعية صحية يكلف 50 ألف ريال ويتوقع أن يقلل معدل الأمراض المزمنة بنسبة 15% في منطقة معينة.

أي البرنامجين يجب أن تختار؟ وكيف تقارن بينهما بطريقة عادلة؟ هنا يأتي دور منهجية حساب العائد على الاستثمار المؤثر (SROI).

ما هو العائد على الاستثمار المؤثر (SROI)؟

ظهرت منهجية قياس العائد المجتمعي على الاستثمار كأحد أساليب قياس الأثر الأكثر شمولاً وتطوراً. تقيس هذه المنهجية النتائج الاجتماعية والاقتصادية والبيئية بوحدة المال، حتى يتم احتساب نسبة الفوائد إلى التكاليف بطريقة موحدة وقابلة للمقارنة.

الفكرة الأساسية بسيطة لكنها قوية: إذا كنا نستطيع تحويل الفوائد الاجتماعية إلى قيمة مالية، يمكننا حينئذ مقارنتها بالتكاليف المالية للبرنامج، وبالتالي حساب "العائد على الاستثمار" بطريقة مشابهة لما يفعله رجال الأعمال في القطاع الخاص.

على سبيل المثال، إذا استثمرنا 100 ألف ريال في برنامج تدريب مهني، وأسفر البرنامج عن زيادة دخل الخريجين بقيمة 500 ألف ريال سنوياً، فإن العائد على الاستثمار هو 5:1 — أي أن كل ريال استثمرناه أعاد لنا 5 ريالات من الفوائد.

المراحل الستة لحساب SROI

المرحلة الأولى: تحديد أصحاب المصلحة والنتائج قبل أن نبدأ بحساب أي شيء، يجب أن نحدد من هم المستفيدون من البرنامج؟ وما هي النتائج التي نتوقع تحقيقها؟ هذه المرحلة تتطلب استشارة شاملة مع جميع أصحاب المصلحة: المستفيدين، والعاملين في البرنامج، والمانحين، والمجتمع المحلي.

المرحلة الثانية: تحديد المؤشرات والمخرجات ما هي المؤشرات التي تدل على تحقيق كل نتيجة؟ وكيف سنقيسها؟ على سبيل المثال، إذا كانت النتيجة المتوقعة هي "تحسين دخل الخريجين"، فقد يكون المؤشر هو "نسبة الخريجين الذين حصلوا على وظيفة" أو "متوسط الدخل الشهري للخريجين".

المرحلة الثالثة: جمع البيانات والأدلة يتم جمع البيانات عن المخرجات الفعلية للبرنامج من خلال المسوحات والمقابلات والسجلات الإدارية. يجب أن تكون هذه البيانات موثوقة وقابلة للتحقق.

المرحلة الرابعة: تحديد القيمة المالية للنتائج هنا يأتي الجزء الأكثر تعقيداً والأكثر أهمية: كيف نضع قيمة مالية لنتيجة اجتماعية؟ على سبيل المثال، كم تساوي قيمة "تحسين الصحة النفسية" أو "زيادة الثقة بالنفس"؟

هناك عدة طرق لتحديد هذه القيم: - الطريقة الأولى: استخدام البيانات السوقية — إذا كانت النتيجة لها قيمة سوقية واضحة (مثل زيادة الدخل)، يمكننا استخدام السعر السوقي مباشرة. - الطريقة الثانية: استخدام الدراسات السابقة — يمكننا البحث عن دراسات سابقة وضعت قيماً مالية لنتائج مشابهة. - الطريقة الثالثة: استشارة الخبراء والمستفيدين — يمكننا سؤال الخبراء والمستفيدين عن القيمة التي يعتقدون أنها عادلة للنتيجة.

المرحلة الخامسة: حساب النسبة بمجرد أن نضع قيماً مالية لجميع النتائج، يمكننا حساب النسبة:

العائد على الاستثمار المؤثر = إجمالي القيمة المالية للنتائج / إجمالي التكاليف

المرحلة السادسة: تحليل الحساسية والتحقق أخيراً، يجب أن نتحقق من موثوقية حساباتنا. ماذا يحدث إذا تغيرت بعض الفرضيات؟ هل النتيجة النهائية تبقى معقولة؟ هذا ما يسمى "تحليل الحساسية".

أهم جزئية: الفرضيات الموثوقة

أهم جزئية في منهجية SROI هو وضع قيمة مالية للتأثيرات المجتمعية بناءاً على فرضيات موثوقة. هذا ليس تخميناً عشوائياً، بل عملية منهجية تتطلب:

1. بحث شامل — البحث عن دراسات سابقة وضعت قيماً مالية لنتائج مشابهة. 2. استشارة الخبراء — الاستفادة من رأي الخبراء والممارسين الذين لديهم خبرة في المجال. 3. استشارة المستفيدين — سؤال المستفيدين أنفسهم عن القيمة التي يعتقدون أنها عادلة. 4. التوثيق الشامل — توثيق جميع الفرضيات والمصادر بوضوح حتى يمكن للآخرين التحقق منها.

مثال عملي: برنامج تدريب مهني

تخيل برنامج تدريب مهني يكلف 100 ألف ريال ويستهدف 50 شاباً من الأسر منخفضة الدخل. بعد سنة من انتهاء البرنامج:

- 40 من الخريجين (80%) حصلوا على وظيفة برواتب تتراوح بين 2000-3000 ريال شهرياً. - 5 منهم (10%) بدأوا مشاريعهم الخاصة. - 5 منهم (10%) لم يجدوا عملاً بعد.

الآن نحسب الفوائد: - زيادة الدخل السنوية = 40 × 2500 × 12 = 1,200,000 ريال - قيمة الإنتاجية الإضافية = 5 × 100,000 = 500,000 ريال (تقدير متحفظ لقيمة المشاريع الجديدة) - تقليل الضغط على الخدمات الاجتماعية = 50 × 5000 = 250,000 ريال (تقدير لتقليل الاعتماد على المساعدات) - تحسين الصحة النفسية والثقة بالنفس = 50 × 10,000 = 500,000 ريال (بناءاً على دراسات سابقة)

إجمالي الفوائد = 2,450,000 ريال العائد على الاستثمار = 2,450,000 / 100,000 = 24.5:1

هذا يعني أن كل ريال استثمرناه أعاد لنا 24.5 ريال من الفوائد المجتمعية!

التطبيقات العملية في الخليج

في منطقة الخليج، يمكن لـ SROI أن تكون أداة قيمة لـ:

- المؤسسات الخيرية في تقييم فعالية برامجها واختيار البرامج الأكثر تأثيراً. - الحكومات في تقييم السياسات العامة وتحديد أولويات الإنفاق الحكومي. - المستثمرين المؤثرين في اختيار المشاريع الاجتماعية التي تحقق أفضل عائد مؤثر. - المنظمات الدولية في مقارنة فعالية البرامج عبر دول ومناطق مختلفة.

التحديات والحدود

رغم قوة منهجية SROI، هناك تحديات:

- الفرضيات الذاتية — وضع القيم المالية يتطلب افتراضات قد تكون ذاتية وقابلة للنقاش. - النتائج طويلة الأمد — بعض النتائج الاجتماعية لا تظهر إلا بعد سنوات، مما يصعب قياسها. - التأثيرات غير المباشرة — قد يكون للبرنامج تأثيرات غير مباشرة يصعب قياسها (مثل تحسين الثقة بالنفس). - الفجوات في البيانات — قد لا تتوفر بيانات موثوقة عن جميع النتائج المتوقعة.

خلاصة: نحو قرارات أكثر ذكاءً

منهجية حساب العائد على الاستثمار المؤثر (SROI) ليست حلاً سحرياً، لكنها أداة قوية تساعد صانعي القرار على فهم القيمة الحقيقية للبرامج الاجتماعية. بدلاً من الاعتماد على الحدس أو الانطباعات، يمكننا الآن اتخاذ قرارات مبنية على بيانات وفرضيات موثوقة.

في عالم تتسارع فيه التحديات الاجتماعية وتتناقص فيه الموارد، نحتاج إلى أدوات تساعدنا على استثمار أموالنا بحكمة وكفاءة. SROI هي واحدة من هذه الأدوات المهمة.

📖تمت قراءة هذه المقالة 28 مرات